النويري

406

نهاية الأرب في فنون الأدب

البحر بأموال عظيمة ؛ وكانت عادته أن يحضر إلى البيت المقدّس بأموال يفرّقها ، فلمّا حضر في هذا الوقت ووصل عكَّا فرآها قد خرجت عن أيدي الفرنج سار إلى صور فملكها ، وأنفق ما معه على من بها ، فقوى أمره وانحاز إليه جميع من خلص بالأمان من سائر البلاد . فأنفق على سور صور وخنادقها ، وعمّقها ، فصارت كالجزيرة في البحر لا يمكن الوصول إليها . فوصل الملك النّاصر إلى عكَّا في مستهل شهر رمضان ، فأصلح من شأنها ، ثم رحل عنها ونازل صور في تاسع شهر رمضان ونزل على نهر بالقرب من البلد ؛ ثمّ نزل على تلّ يقارب صور في الثّانى والعشرين من الشّهر ، وقسّم القتال على العسكر لكلّ جمع منهم وقت معلوم . واستدعى الأسطول المصرىّ ، وكان بعكَّا ، فجاءته عشر شوان ، وكان للفرنج في البحر مراكب فيها رماة الجروخ « 1 » والزنبوركات « 2 » يرمون من دنا من البحر . فاستطال الأسطول عليها ، وأحاط بهم المسلمون وقاتلوا برّا وبحرا ؛ ثمّ أغفلوا أمرهم فملك الفرنج من الشوانى خمسة وأسروا مقدّمها « 3 » . ثمّ كانت حروب كثيرة ووقائع . ثمّ رحل السّلطان عنها في آخر شوّال ، وهو أول كانون « 4 » ، وسار إلى عكَّا ، وأذن للعساكر بالعود إلى أوطانهم للرّاحة في الشتاء والعود في الربيع ، فعادت عساكر الشّرق والموصل والشّام ومصر ، وبقى

--> « 1 » الجرخ - الجروخ : أنواع من السهام - انظر مفرج الكروب ج 2 ص 242 هامش 4 . « 2 » الزنبورك - الزنبوركات : نوع سميك من السهام - مفرج الكروب ج 2 ص 244 هامش « 3 » مفرج الكروب ج 2 ص 242 - 244 ، الكامل ج 11 ص 553 - 555 . « 4 » ديسمبر 1187 م .